كلمة الابونا نسيم قسطون
صاحب السيادة المطران جورج بو جوده السامي الاحترام،

شئتم فجئتم!

شئتم يا صاحب السيادة أن تزوروا بنيكم في هذه المنطقة العطشى للحضور الرّوحي، في هذا النهار المميّز، عيد انتقال أمنا مريم العذراء بالنفس والجسد إلى السماء.

سيّدي، تبادرون اليوم بزيارتها زيارة أبٍ لبنيه بعد أن بادرتم بزيارتها مرسلاً منذ تسعة عشر عاماً، على رأس فريق رسوليّ، وما أقرب الأمس إلى اليوم!

يومها، يا صاحب السيادة، كانت دير جنين ما زالت رازحةً تحت هول صدمة المجزرة المريعة التي أودت بباقة من خيرة شبابها وأودت معهم برهبان قدّموا لها، إلى جانب خدماتهم الروحيّة والزمنيّة، حياتهم ودمهم عربون فداءٍ وشهادةٍ، لم ولن تمحى من ضمائر أبناء هذه المنطقة برمّتها.

يومها أيضاً كانت العيون شاخصةً إلى شخصيّة جسّدت الحلم والرّجاء بالعودة هي الراهب المثال عمانوئيل خوري وقد منح يومها الفريق الرسوليّ منزله مقرّ إقامةٍ، هذا المنزل الّذي تحوّل منارة للرسالة وللمحبّة.

أما اليوم، فقد جئتم يا سيّدي لزيارتها بمبادرة أبويّة تعبّر عن محبّتكم المجّانية والتي تجلّت في التعبير عن رغبتكم، منذ شهور، بزيارة هذه البلدة والاحتفال بالإفخارستيا فيها0 كما تجلّت أيضاً بمبادرتكم بالاقتراح على فريق المرسلين العلمانيين المنصوريين - ولهم منا ألف شكر - إقامة المخيّم الرسولي فيها وانطلاقاً منها إلى جارتيها المحبّبتين إلى قلبكم، سفينة الدريب وقد زرتموها في عام 2006 أيضاً والهدّ التي تنتظر زيارتكم لها بشوقٍ ولهفة.

ولكن، يا سيّدي، تزورونها اليوم، ومع الأسف، لم يندمل بعد الجرح المفتوح منذ المجزرة لأنّه ينزف خيرة شبابها وناسها لصالح مناطق لا بل بلدان أخرى تستهلك طاقاتهم وجهودهم وحبّهم ولا تعيدهم إلينا، إلا كهولاً أو زوّاراً أو، وهذا الأدهى، أمواتاً.

تزورونها يا سيّدي وقد تحوّلت الشخصيّة الحلم إلى مرتبة الشفاعة بعد أن زرع الأباتي عمانوئيل خوري الرجاء في أرضها وتركه أمانةٍ وشرطاً لبقاء وترسّخ دير جنين.

من أجل ذلك كلّه، شئنا أن نقدّم لكم، يا سيّدي، طفلين سيتقبلان الربّ يسوع في سرّ الإفخارستيا للمرّة الأولى من يدكم المباركة كرمزٍ للرجاء الراسخ في نفوس أبناء هذه البلدة.

كما شئنا أن تقوموا يا سيّدي بتكريم من أمضوا ما بين ال 25 و ال 30 سنة في كنف سرّ الزواج، وقد سبق لنا أن كرّمنا في السنوات السابقة من أمضوا أكثر من هذا الوقت سوياً، كرمزٍ لإيماننا بالحياة والاستمرار في أحضان هذه البلدة والمنطقة.

كما أرادت البلديّة، مشكورةً بشخص رئيسها المحامي سهيل سعد وأعضائها، أن تكرّم، أثناء حضوركم، من أنهوا دراستهم الجامعيّة، لتدعوهم إلى تعلّق أكبر بهذه البلدة العريقة بأرضها وأبنائها وتاريخها، هذه البلديّة التوافقيّة التي قدّمت لدير جنين ذبيحتين، هما عطا ديب وعامر ليشا، اللذين بذلا كلّ شيء في سبيل دير جنين وماتا ولسان حالهما ينطق بثلاث كلمات:" أحبّوا دير جنين".

لذا نغتنمها فرصةً لنجدّد أمامكم الدعوة، إلى أبناء هذه المنطقة، إلى بذل المزيد من الحبّ، القادر وحده على شفاء جراح الماضي والحاضر، رغم كلّ الإهمال الرسمي وحتى الروحيّ أحياناً. هذا الحبّ يترجم عملياً بدعوة أبنائهم وأبناء أبنائهم إلى التعلّق بهذه الأرض ومنحها الدفء اللازم عبر تأمين حضور أكبر وأثبت، الأمر الوحيد الّذي من شأنه التعبير عن الأمانة لدماء الشهداء ولجهود كثيرين من أبناء هذه البلدة الّذين ما زالوا، حتى اليوم، يبذلون الكثير من الجهد والوقت وحتى المال لتبقى هذه البلدة عنواناً للبقاء والاستمرار والأمانة ونخصّ منهم بشكرٍ عميق الصديق العزيز، مختار البلدة، السيّد غورو سعد، وأعضاء لجنة الوقف السابقين والحاليين وكلّ من مدّ لنا ولهم يد المساعدة من رجالٍ ونساء، خاصّةً خلال السنوات الستّ الماضية، وقد شكّل تعاونهم معنا مثالاً يحتذى به في الإخلاص والتفاني.

ونغتنم الفرصة أيضاً لنوجّه أمامكم تحيّة إكبار وإجلال وعرفان إلى أخوةٍ لنا في الكهنوت سبقونا في الخدمة هنا كما لإخوةٍ لنا أعزّاء، من رهبان هذه البلدة المباركة، ساهموا وما زالوا يساهمون بفعاليّة في الدعم الروحيّ والمعنوي والماديّ لهذه الرعايا، بروحٍ كنسيّة عالية، عنيت بهم ومع حفظ الألقاب الآباء أنطوان طعمة ولويس الفرخ وطوني الطحان وطوني جبور الّذين رفعوا عالياً اسم هذه البلدة حيثما حلّوا. كما نحيي أخوين ساهما بقوّة في لفت النظر إلى هذه المنطقة وهم المدبّر الأب شربل كيروز ووكيل دير مار جرجس الأبّ شربل شاهين الّذي استقبل مشكوراً العديد من النشاطات في كنف الدير ومنها المخيّم الرسوليّ الحالي. وندعو بالثبات والتوفيق للشماس ميلاد جريج وللأخ شربل سعد.

نشكر أيضاً شبيبة هذه الرعيّة على ما قامت به من جهودٍ لإحياء عيد السيّدة، رغم كلّ ما مررنا به من ظروف، ونعبّر عن عرفاننا لجوقة مار يوحنا السفينة بقيادة السيدة أوجينيا غبش طنوس، على حضورهم ومساهمتهم في إحياء هذا القدّاس.

في الختام، نجدّد الشكر لكم، سيّدي، على محبّتكم وعلى حضوركم بيننا اليوم وكلّ عيد وأنتم جميعاً بألف بخير.

الخوري نسيم قسطون